تُمثِّلُ هذه المخطوطةُ أقدمَ نسخةٍ قرآنيةٍ كاملةٍ مؤرَّخةٍ وصلَت إلينا مشتملةً على ترجمةٍ فارسية، إذ يرجع تاريخُ نسخها إلى سنة ٥٤٦هـ، ويُحفَظ أصلُها اليوم تحت الرقم (٥٥١) في متحف رضا عباسي بطهران. وتهدف هذه المقدّمة إلى تقديم تعريفٍ علميٍّ موجزٍ بهذه التحفة الفريدة، وإلى إبراز مكانتها المتميّزة وأهميّتها الاستثنائية في سياق تاريخ الدراسات القرآنية، وكذلك في دراسة تطوّر اللغة الفارسية في مراحلها المبكّرة.

مصحف الزّعفراني المترجَم والمؤرّخ بعام ٥٤٦ هجري في الرَّيّ:
أقدم نسخة قرآنية كاملة مؤرّخة حاوية على ترجمة فارسية
أقدم نسخة قرآنية كاملة مؤرّخة حاوية على ترجمة فارسية
تُمثِّلُ هذه المخطوطةُ أقدمَ نسخةٍ قرآنيةٍ كاملةٍ مؤرَّخةٍ وصلَت إلينا مشتملةً على ترجمةٍ فارسية، إذ يرجع تاريخُ نسخها إلى سنة ٥٤٦هـ، ويُحفَظ أصلُها اليوم تحت الرقم (٥٥١) في متحف رضا عباسي بطهران. وتهدف هذه المقدّمة إلى تقديم تعريفٍ علميٍّ موجزٍ بهذه التحفة الفريدة، وإلى إبراز مكانتها المتميّزة وأهميّتها الاستثنائية في سياق تاريخ الدراسات القرآنية، وكذلك في دراسة تطوّر اللغة الفارسية في مراحلها المبكّرة.
وتُعَدّ الترجماتُ الفارسيةُ الأولى للقرآن الكريم من أندر الوثائق وأثمنها، سواء من حيث قيمتها في تاريخ الأدب القرآني أو في تاريخ اللغة الفارسية. فهذه النصوص والمخطوطات المبكّرة توفّر مادّةً علميةً غنيّةً لدراسة تاريخ تدوين المصحف الشريف، ونظام رسمه وضبطه الإملائي، ومسائل تعدّد القراءات واختلافها، فضلًا عن فنون الخطّ والتذهيب وزخرفة المصاحف، إلى جانب ما تعكسه من معطياتٍ دقيقة تتّصل بتاريخ تلقّي القرآن الكريم وفهمه وتفسيره في إيران في العصور الإسلامية الأولى، وما يرتبط بذلك من أبعادٍ فكرية وثقافية واجتماعية.
غير أنّ الأهمية القصوى لهذه الترجمات تتجلّى، قبل كلّ شيء، في إسهامها الجوهري في إعادة بناء تاريخ اللغة الفارسية وآدابها. فهي تمثّل مصادر لا غنى عنها لدراسة المعجم الفارسي القديم، وقضايا الاشتقاق والتطوّر الدلالي، واللهجات المحلّية، وطرائق كتابة الألفاظ الفارسية وإملائها، فضلًا عن البنية النحوية والنظام اللغوي للفارسية في مراحلها التكوينية. ومن هذا المنطلق، شهدت هذه الترجماتُ والتفاسيرُ الفارسيةُ للقرآن الكريم اهتمامًا علميًّا واسعًا، تُرجم إلى مئاتٍ بل آلافٍ من الدراسات والأبحاث التي تناولت خصائصها اللغوية والأسلوبية، ومكانتها ضمن التراثين الديني والأدبي.
ومن أبرز النصوص التي تندرج ضمن هذا التراث: ترجمة تفسير الطبري (المعروفة بالترجمة الرسمية)، وتفسير النسفي، وتفسير شاهفور الإسفراييني، وتفسير السورآبادي، وتفسير الدرواجكي، وتفسير بصائر اليميني، وتفسير أبي الفتوح الرازي، وترجمة وتفسير الميبدي (كشف الأسرار)، وترجمة قرآن الرَّيّ المؤرَّخة بسنة ٥٥٦هـ، وتفسير الشُّنقشي، وترجمة قرآن متحف فارس، وترجمة قرآن القدس، وكتاب جسر بين الشعر الهجائي والعروضي الفارسي، وتفسير قرآن پاك، وسورة المائدة من القرآن الكوفي القديم، وتفسير عشرٍ من القرآن المجيد، وأخيرًا ترجمة وتفسير الحَدّادي الموسوم بـمعاني كتاب الله وتفسيره المنير.
مصحف الزعفراني مع الترجمة الفارسية
تُمثِّل المخطوطةُ المحفوظةُ تحت الرقم (٥٥١) في متحف رضا عباسي واحدةً من أهمّ الشواهد القرآنية المصحوبة بترجمةٍ فارسيةٍ من القرن السادس الهجري، وهي من الآثار التي ظلّت، إلى وقتٍ قريب، بعيدةً عن دائرة اهتمام الباحثين والمحقّقين في مجال الدراسات القرآنية وعلم المخطوطات. وتُعَدّ هذه التحفة النفيسة نسخةً كاملةً من القرآن الكريم مقرونةً بترجمةٍ فارسيةٍ بين السطور، نُسِخت سنة ٥٤٦هـ على يد الناسخ أبي الفخر بن أبي الفضل الزعفراني.


ويكتسب مصحفُ الزعفراني أهميّته الاستثنائية من كونه أقدمَ نسخةٍ قرآنيةٍ كاملةٍ مؤرَّخةٍ وصلَت إلينا متضمِّنةً ترجمةً فارسيةً خالصة. أمّا سائر النسخ المعروفة، فإنها إمّا غيرُ مؤرَّخة، أو غيرُ تامّة، أو لا تشتمل على ترجمةٍ مستقلّة للنصّ القرآني، أو ترجع إلى فتراتٍ لاحقةٍ على سنة ٥٤٦هـ. وعلى نحوٍ مماثل، ورغم وصول عددٍ من الآثار القرآنية الفارسية إلى منتصف القرن السادس الهجري، فإنّ جميع تلك النصوص — كترجمة تفسير الطبري، وتفاسير السورآبادي، والشُّنقشي، والإسفراييني، والحدادي، والنسفي، وأبي الفتوح الرازي، والميبدي، والدرواجكي، وبصائر اليميني، ونظائرها — تندرج في إطار التفاسير المطوَّلة أو المختصرة باللغة الفارسية، ولا تمثّل ترجماتٍ خالصةً للنصّ القرآني ذاته.
وفي هذا السياق، ينفرد مصحف الزعفراني بكونه ترجمةً فارسيةً كاملةً ومستقلّةً للقرآن الكريم. فالترجمةُ الفارسيةُ الواردةُ في هذا المصحف أُدرجت بين سطور النصّ العربي بهدف نقل دلالة الآيات القرآنية فحسب، دون الانخراط في الشرح أو التفسير أو التوسّع التأويلي، وهو ما يمنح هذه المخطوطة قيمةً علميةً مضاعفة، سواء من حيث تاريخ الترجمة القرآنية إلى الفارسية، أو من حيث دراسة تطوّر اللغة الفارسية في سياقها الديني المبكّر.
النُّسَخُ الموجودةُ من مصحف الزَّعفراني
بحسب ما انتهى إليه علمُنا حتى الآن، لم يصلنا من المصحف القرآني المترجَم إلى الفارسية من عمل أبي الفخر الزَّعفراني سوى نسختين اثنتين. أمّا النسخة الأقدم، المؤرَّخة بسنة ٥٤٦هـ، فهي محفوظة حاليًا في متحف رضا عباسي بطهران، في حين تُحفَظ النسخة الأحدث، المؤرَّخة بسنة ٥٤٨هـ، في مكتبة هيئة الشؤون الدينية بتركيا (أنقرة). وتبدو النسختان متقاربتين من حيث الحجم والبنية العامة، وقد كُتِبت الترجمة الفارسية للآيات في كلتيهما بين السطور بخطٍّ دقيق نسبيًا.


كما تُظهر المقارنةُ بين النسختين درجةً عاليةً من التشابه في تقسيمات النصّ القرآني، وفي نظام العلامات المصاحبة، ولا سيما إشارات السجود، والتخميس، والتعشير، التي رُسِمت في الهوامش بأسلوبٍ متقارب. والأهمّ من ذلك أنّ ترقيمتَي النسخ (أو حَرْدَي المتن) الواردتَين في خاتمة المصحف في كلتا النسختين تكادان تتطابقان نصًّا ومضمونًا، مع فارقٍ وحيدٍ يتمثّل في أنّ نسخة أنقرة تنصّ صراحةً على أنّ المخطوطة كُتبت في مدينة الرَّيّ، في حين تخلو خاتمة نسخة طهران من ذكر مكان النسخ. غير أنّ مجموع المعطيات المتوفّرة لدينا عن الناسخ، وسياق إنتاج هذه المخطوطة، يرجّح بقوّة أنّ النسخة المحفوظة في طهران قد نُسخت هي الأخرى في منطقة الرَّيّ.
ويمكن تلخيص الخصائص الرئيسة للنسختين في الجدول الآتي:
النسخة مكان الحفظ ورقم المخطوطة تاريخ الكتابة مكان الكتابة نوع الخط عدد الأوراق
نسخة طهران متحف رضا عباسي، رقم ٥٥١ ٥٤٦ هجري يُرجَّح الري نَسْخ + مُحَقَّق ٣٢٨ ورقة
نسخة أنقرة مكتبة هيئة الشؤون الدينية، رقم ١٢٤٨ ٥٤٨ هجري الري مُحَقَّق ٣٣٤ ورقة
نسخة متحف رضا عباسي (طهران)
اعتمد هذا التحقيق اعتمادًا أساسياً على النسخة المحفوظة تحت الرقم (٥٥١) في متحف رضا عباسي بطهران. وتتكوّن هذه النسخة من ٣٢٨ ورقة كبيرة الحجم، يبلغ قياسها نحو ٢٩ × ٣٦٫٥ سم، ويشتمل كلّ وجهٍ من وجوهها على أحد عشر سطرًا من النصّ القرآني، يقابلها أحد عشر سطرًا من الترجمة الفارسية المدوَّنة بين السطور. وقد كُتب النصّ القرآني وترجمته معًا بخطّ النَّسْخ القديم الذي يُعدّ — في كلا المستويين — من النماذج المبكّرة والمهمّة في تاريخ كتابة المصحف الشريف بهذا القلم، لما يتّسم به من ضبطٍ، وانتظامٍ، ووضوحٍ نسبيٍّ في مرحلةٍ لا يزال فيها خطّ النَّسخ في طور التكوّن والاستقرار.
أبوالفخر الزَّعفراني (عالِمٌ وكاتبٌ مُعتزليٌّ في الرَّيّ)
لا تزال شخصيةُ مترجم هذا المصحف القرآني إلى الفارسية غيرَ واضحة المعالم في المصادر التاريخية المتاحة، غير أنّ تحليل النصّ يُظهر بجلاء تأثّره العميق بتفسير السورآبادي لأبي بكر عتيق بن محمد السورآبادي (ت ٤٩٤هـ). وقد صيغ هذا النصّ بعد ما يقرب من خمسين سنة من وفاة السورآبادي، وهو ما يتيح افتراض وجود صلةٍ علميةٍ غير مباشرةٍ بين المدرستين.
والراجح، في ضوء المعطيات الداخلية للمخطوط، أنّ مترجم القرآن هو نفسُه ناسخُ المصحف، أي أبو الفخر الزَّعفراني. فالنصّ الفارسي المدوَّن بين السطور لا يقتصر على النقل الحرفي لما ورد في تفسير السورآبادي، بل يُظهر قدرًا واضحًا من الاجتهاد، يتمثّل في تنويع المفردات، وإعادة الصياغة النحوية، وإجراء تعديلاتٍ دقيقة في الرؤية التفسيرية، بما يدلّ على حضورٍ واعٍ للمترجم، لا على مجرّد عملٍ آليٍّ ناسخ.
وعلى الرغم من ورود اسم «أبي الفخر بن أبي الفضل الزَّعفراني» في ترقيمتي النسختين المؤرَّختين بسنتي ٥٤٦ و٥٤٨هـ في طهران وأنقرة، فإنّ المصادر المتداولة لا تقدّم لنا معلوماتٍ وافيةً عن سيرته أو مؤلَّفاته الأخرى. ويُحتمل أن يكون لقب «الزَّعفراني» ذا دلالةٍ مهنية، تشير إلى اشتغال والده أو أسلافه بزراعة الزعفران أو تجارته، غير أنّ الاسم الحقيقي له ولوالده لا يزال مجهولًا، ولا نملك سوى كنيتين اثنتين: أبو الفخر وأبو الفضل. كما لم يُعثر على ذكرٍ صريحٍ له في فهارس المخطوطات الفارسية والعربية المعروفة في مكتبات ومتاحف إيران والعالم، على أنّ هذا الغياب لا ينفي إمكان الكشف عن آثارٍ أخرى له مستقبلًا.
ويُشير إتقانه الواضح لأقلام المُحَقَّق، والثُّلُث، والنَّسْخ في كتابة المصحف إلى احترافه العالي في فنّ الكتابة والنسخ. كما أنّ طريقته في تهذيب تفسير السورآبادي، وإدخال تعديلاتٍ متنوّعة على أسلوب تفسير الآيات أو على صيغ ترجمتها الفارسية، تعكس تكوينًا راسخًا في العلوم الإسلامية، ولا سيما في مباحث التفسير واللغة.
وفي المصادر الإسلامية القديمة، يرتبط لقب «الزَّعفراني» غالبًا بجماعاتٍ ومناطق متعدّدة في همدان وبغداد والبصرة والرَّيّ. وقد عُرفت قرى تحمل اسم «الزعفرانية» في همدان وضواحي بغداد، غير أنّ أبا الفخر الزَّعفراني، الذي نَسخ مصاحفه في الرَّيّ، لا يمكن نسبته على الأرجح إلى تلك المناطق، بل ينبغي البحث عنه في إطار إيران الوسطى. فقد كانت مدينة الرَّيّ — بحكم موقعها الجغرافي والسياسي، وبتعدّد مدارسها الفكرية —من أبرز المراكز العلمية والأدبية في العصور الإسلامية، ولا سيما بين القرنين الثالث والسادس الهجريين.
وقد شهدت الرَّيّ خلال هذه المرحلة نشاطًا ملحوظًا لفرقٍ كلاميةٍ وفقهية متنوّعة، من الشافعية والحنفية والشيعة والزيدية والإسماعيلية، فضلًا عن تيّاراتٍ معتزلية عدّة. ومن بين هذه الأخيرة، تبرز «النجّارية» — أتباع الحسين بن محمد بن عبد الله النجار الرازي (ت ٢٢٠هـ) — وجماعةٌ منشقةٌ عنها عُرفت باسم «الزَّعفرانية»، بوصفها من أهمّ التيّارات المعتزلية في الرَّيّ. وتُظهر مراجعةُ المصادر القديمة أنّ عددًا من المنتسبين إلى الزَّعفرانية عاشوا في هذه المدينة بين القرنين الثالث والسادس الهجريين.
وبناءً على دراسة المعطيات التاريخية، وتحليل الخصائص اللغوية والتفسيرية للترجمة الفارسية في مصحف الزَّعفراني، يمكن القول إنّ أبا الفخر الزَّعفراني كان واحدًا من علماء الرَّيّ الفرس في القرن السادس الهجري، وأنّه ينتمي — على الأرجح — إلى السلالة الفكرية للزَّعفرانية، ويقترب في توجهاته الكلامية العامة من الأصول الكبرى للمذهب المعتزلي.
الخطّ والتذهيب في مصحف الزَّعفراني
كُتِبَ نصُّ مصحف الزَّعفراني المحفوظ في متحف رضا عباسي بخطٍّ يَجمع بين النَّسْخ والمُحَقَّق والرَّيْحَان، مع ابتعاده الواضح عن النَّسْخ الياقوتي المتأخّر. ويظهر عنصر الرَّيْحَان في هذه النسخة حضورًا جليًّا من حيث ملامح القلم، غير أنّ البنية العامة للخطّ تظلّ بنيةَ النَّسْخ. فمقاسات الحروف، وارتفاع الألفات، وأشكال بعض الدوائر أقرب إلى الرَّيْحَان، في حين يحافظ التركيب العام على خصائص النَّسْخ الوظيفي.

وتدلّ مهارة الناسخ في استخدام القلم على مستوى رفيع من الاحتراف، ممّا يجعل هذه النسخة — بالنظر إلى تاريخ كتابتها — واحدةً من النماذج النفيسة في تاريخ كتابة المصحف. غير أنّ النسخة كُتِبت بأسلوبٍ يتّسم بالبساطة والاقتصاد، ويبدو بوضوح أنّ الجانب الوظيفي والاستعمالي للمصحف قد قُدِّم على الاعتبارات الجمالية الصِّرفة.
ولا تقلّ أهميةُ هذه النسخة من حيث الزخرفة والتذهيب؛ إذ تمثّل نموذجًا رفيعًا من تذهيب العصر السلجوقي، الذي كان يعتمد في أساسه على استخدام أوراق الذهب. وتشابه صفحاتُ البداية فيها عددًا من النماذج المعروفة من هذه المرحلة، إذ تتكوّن من إطارين مستطيلين تحيط بهما هوامش مزدانة بزخارف نباتية وسلسلية، مع شريطين كتابيَّين في أعلى النصّ وأسفله.
وتقوم زخارف الأشرطة الكتابية، في الغالب، على المنحنيات، وتتضمّن وحدات أرابيسك متعدّدة الأوراق، وأزهارًا وأوراقًا نباتية، إلى جانب عناصر حلزونية. وقد كُتبت أسماء السور في هذه الأشرطة بالخطّ الكوفي الذهبي المُحرَّر، ووُضعت على جانبي الشريط عناوينُ قوسيّة بخلفية لازوردية مزدانة بزخارف أرابيسكية. أمّا نهايات الآيات، فقد حُدِّدت باستخدام تقنية تسمّی بـ«الأسنان الفأرية» (دندان موشي)، ومُلئت بتظليلات شبكية دقيقة.
وفُصل بين الآيات بزخارف نباتية سداسية البتلات، بينما استُخدمت في صفحات البداية شموسٌ صغيرة رُسمت في مركز زهرة اللوتس، وأحيطت بأوراق متصلة. كما رُسمت علامات التخميس والتعشير في أشكال شمسية وترنجية، أحيانًا على هيئة مزهريات، وكُتبت بعض هذه العلامات بالخطّ الكوفي. كذلك كُتبت أسماء السور في مواضع أخرى بالخطّ التوقيعي الذهبي المُحرَّر، وزُيّنت بعض العناوين الكوفية ضمن أشرطة وترنجات جانبية بزخارف تماثل زخارف الصفحات الافتتاحية.
وتُعَدّ الصفحةُ الأولى من المصحف صفحةً مذهّبةً بالكامل، زُيّنت بأربعة أشكال نجمية سداسية عشرية الأضلاع، وبألوان الذهب واللازورد والزنجفر، إلى جانب سائر العناصر الزخرفية المشار إليها. كما رُسمت في نهايات بعض السور أشرطةٌ زخرفية ذهبية على جانبي العبارة الختامية. وإجمالًا، يُمثّل تذهيب مصحف الزَّعفراني أحدَ النماذج الغنية والنفيسة لتذهيب العصر السلجوقي، ويعكس بجلاء المكانة المعتبرة التي حظيت بها هذه النسخة في زمن إنتاجها.
الخصائص العامّة للترجمة الفارسية
تنسجم الخصائصُ العامّة للترجمة الفارسية في مصحف الزَّعفراني مع الاتجاه السائد في الترجمات القرآنية خلال القرون الرابع إلى السادس الهجري. وتتميّز هذه الترجمة بطابعها الحرفي الصارم، القائم على النقل كلمةً بكلمة، إذ يضع المترجمُ المقابلَ الفارسي تحت كلّ لفظٍ قرآني، على نحوٍ يجعل البنية التركيبية للجملة الفارسية قريبةً جدًّا من التركيب العربي للآيات.
وتتمثّل الخاصية الثانية البارزة في اعتماد الزَّعفراني على التفسير الفارسي للسورآبادي، بحيث يمكن عدّ ترجمته إعادةَ صياغةٍ وتنقيةٍ واعيةً لذلك التفسير. غير أنّ المقارنة الدقيقة بين النصّين تُظهر أنّ عمل الزَّعفراني يتجاوز حدود النسخ المحض؛ إذ تتجلّى مهارته في استخلاص ترجمةٍ خالصةٍ للآيات من داخل نسيجٍ تفسيريٍّ مختلط، ثم إعادة صياغتها وفق ذوقه اللغوي وخياراته الأسلوبية. ومن ثَمّ، يمكن القول إنّ هذه الترجمة، وإن كانت متجذّرةً في تراث السورآبادي، فإنّها مدينةٌ أيضًا لقلم الزَّعفراني وفكره واستقلاله النسبي.
ويقتصر الزَّعفراني في نقله الفارسي على أدنى حدٍّ ممكن من الإضافات التفسيرية، وهو ما يميّز عمله عن نماذج قريبة زمنيًّا، مثل ترجمة «قرآن الرَّيّ» (النسخة رقم ٦٦١ في مكتبة آستان قدس رضوي، المؤرَّخة بسنة ٥٥٦هـ)، حيث تميل الترجمة إلى الابتعاد النسبي عن الحرفية، مع إدخال عبارات تفسيرية قصيرة أو مطوّلة. أمّا الزَّعفراني، فبالتزامه الصارم بقاعدة «اللفظ مقابل اللفظ»، يسعى إلى الحفاظ على أكبر قدر ممكن من التطابق بين النصّ القرآني وترجمته الفارسية.
وتتعدّد العوامل التي تضفي على هذه النسخة قيمةً تاريخيةً وعلميةً مضاعفة، من أبرزها: (١) استخدام طيفٍ واسع من المفردات الفارسية القديمة الشائعة في الرَّيّ ونيسابور خلال القرنين الخامس والسادس الهجريين؛ (٢) أسلوب رسم الكلمات الفارسية، بما يتيح تتبّع تطوّر الخطّ الفارسي في القرن السادس؛ (٣) ما تكشفه الترجمة من خصائص لهجية وصوتية في النطق القديم للمفردات الفارسية؛ (٤) حرص المترجم على التوحيد والاتساق في اختيار المقابلات الفارسية للألفاظ العربية في جميع مواضع القرآن؛ (٥) إصراره على ترجمة الأعلام والأسماء العربية الخاصة — مثل «روح القدس»، و«محمد»، و«ذو النون»، و«الأحقاف»، و«إبليس» — إلى الفارسية؛ (٦) انعكاس التوجّهات الكلامية في ترجمة بعض الآيات، ولا سيّما في ما يتّصل بصفات الله تعالى ونسبة الأفعال إليه؛ وأخيرًا (٧) توثيق وجود قراءاتٍ قرآنيةٍ مختلفة في نصّ المصحف وفي ترجمته الفارسية على السواء.
حول هذه الطبعة
يشتمل هذا الكتاب على صورٍ كاملةٍ للأصل المخطوط، مرفقةً بنصّ القرآن الكريم وفق رسم المصحف، إلى جانب تحقيقٍ علميٍّ كاملٍ لنصّ الترجمة الفارسية، مع هوامش توضيحية. وقد أُدرجت صورُ جميع صفحات النسخة رقم (٥٥١) المحفوظة في متحف رضا عباسي، بحيث وُضع نصّ القرآن—وفق الرسم المعتمد لدى «مركز طباعة المصحف الشريف ونشره في الجمهورية الإسلامية الإيرانية»—في القسم العلوي من الصفحة، بينما أُثبتت الترجمة الفارسية المحقَّقة في القسم السفلي.


ومن المعلوم أنّ رسم كلمات المصحف، وقراءاته، ومواضع انتهاء الآيات (عدّ الآي) في المصاحف القديمة تختلف في جوانب متعدّدة عن المعايير الشائعة في المصاحف المعاصرة؛ وقد جرى توثيق هذه الاختلافات وشرحها في الهوامش.
وإلى جانب تحقيق الترجمة الفارسية للزَّعفراني وشرح مواضع الإشكال، أُعدّت قائمتان للمفردات (عربي–فارسي) و(فارسي–عربي)، استنادًا إلى النصّ المحقَّق، بغية تيسير وصول الباحثين في الدراسات القرآنية وتاريخ اللغة الفارسية إلى مختلف استعمالات المفردات الفارسية في هذا العمل، وإلى مقابلاتها القرآنية الدقيقة.


وآمل أن يُسهم هذا البحث العلمي — الذي استغرق إنجازه عدّة سنوات، وأُعدّ بجهدٍ علميٍّ وفنّيٍّ وتقنيٍّ مشترك، ويصدر الآن عن «دار نشر فرهنك سيادت» — في فتح آفاقٍ جديدة لدراسة المخطوطات القرآنية المبكّرة، واللغة الفارسية في سياق الترجمات القرآنية القديمة، وأن يشكّل إضافةً نوعيةً إلى هذا الحقل المتخصّص من الدراسات.
اضغط هنا لتنزيل النسخة الكاملة بصيغة PDF
مرتضی كريمي نيا
طهران، رجب ١٤٤٧
خريف ٢٠٢٥
طهران، رجب ١٤٤٧
خريف ٢٠٢٥
شنبه ۱۰ مرداد ۱۴۰۵ ساعت ۱۱:۳۵



نمایش ایمیل به مخاطبین
نمایش نظر در سایت
۲) از انتشار نظراتی که فاقد محتوا بوده و صرفا انعکاس واکنشهای احساسی باشد جلوگیری خواهد شد .
۳) لطفا جهت بوجود نیامدن مسائل حقوقی از نوشتن نام مسئولین و شخصیت ها تحت هر شرایطی خودداری نمائید .
۴) لطفا از نوشتن نظرات خود به صورت حروف لاتین (فینگلیش) خودداری نمایید .